محمد بن جرير الطبري

237

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني محمد بن كثير ، عن عبد الله بن واقد ، عن عطاء ، قال : أراه عن ابن عباس : وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ قال : التسمية عند الجماع يقول بسم الله . والذي هو أولى بتأويل الآية ، ما روينا عن السدي ، وهو أن قوله : وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ أمر من الله تعالى ذكره عباده بتقديم الخير ، والصالح من الأَعمال ليوم معادهم إلى ربهم ، عدة منهم ذلك لأَنفسهم عند لقائه في موقف الحساب ، فإنه قال : تعالى ذكره : وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية ، لأَن الله تعالى ذكره عقب قوله : وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ بالأَمر باتقائه في ركوب معاصيه ، فكان الذي هو أولى بأن يكون الذي قبل التهديد على المعصية عاما الأَمر بالطاعة عاما . فإن قال لنا قائل : وما وجه الأَمر بالطاعة بقوله : وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ من قوله : نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ قيل : إن ذلك لم يقصد به ما توهمته ، وإنما عنى به وقدموا لأَنفسكم من الخيرات التي ندبناكم إليها بقولنا : يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وما بعده من سائر ما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأجيبوا عنه مما ذكره الله تعالى ذكره في هذه الآيات ، ثم قال تعالى ذكره : قد بينا لكم ما فيه رشدكم وهدايتكم إلى ما يرضي ربكم عنكم ، فقدموا لأَنفسكم الخير الذي أمركم به ، واتخذوا عنده به عهدا لتجدوه لديه إذا لقيتموه في معادكم ، واتقوه في معاصيه أن تقربوها وفي حدوده أن تضيعوها ، واعلموا أنكم لا محالة ملاقوه في معادكم ، فمجاز المحسن منكم بإحسانه والمسئ بإساءته . القول في تأويل قوله تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ وهذا تحذير من الله تعالى ذكره عباده أن يأتوا شيئا مما نهاهم عنه من معاصيه ، وتخويف لهم عقابه عند لقائه ، كما قد بينا قبل ، وأمر لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يبشر من عباده بالفوز يوم القيامة ، وبكرامة الآخرة ، وبالخلود في الجنة من كان منهم محسنا مؤمنا بكتبه ورسله وبلقائه ، مصدقا إيمانه قولا بعمله ما أمره به ربه ، وافترض عليه من فرائضه فيما ألزمه ومن حقوقه ، وبتجنبه ما أمره بتجنبه من معاصيه . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ فقال بعضهم : معناه : ولا تجعلوه علة لأَيمانكم ، وذلك إذا سئل أحدكم الشيء من الخير والإِصلاح بين الناس ، قال : علي يمين بالله إلا أفعل ذلك ، أو قد حلفت بالله أن لا أفعله . فيعتل في تركه فعل الخير والإِصلاح بين الناس بالحلف بالله . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه طاوس : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ قال : هو الرجل يحلف على الأَمر الذي لا يصلح ، ثم يعتل بيمينه يقول الله : أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا هو خير له من أن يمضي على ما لا يصلح ، وإن حلفت كفرت كفارة اليمين عن يمينك وفعلت الذي هو خير لك . حدثنا المثنى ، قال : ثنا سويد بن نصر ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن معمر ؛ عن ابن طاوس ، عن أبيه طاوس مثله ، إلا أنه قال : وإن حلفت فكفر عن يمينك ، وافعل الذي هو خير . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا عبيد الله عن إسرائيل ، عن السدي ، عمن حدثه ، عن ابن عباس في قوله : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ قال : هو أن يحلف الرجل أن لا يكلم قرابته ولا يتصدق ، أو يكون بينه وبين إنسان مغاضبة ، فيحلف لا يصلح بينهما ويقول : قد حلفت ، قال : يكفر عن يمينه كفارة اليمين ، وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا